تعليمفضاءات

أزمة تغييب الهوية الثقافية في المدرسة العربية

أزمة تغييب الهوية والثقافة العربية في المدرسة العربية وانعكاساتها على الطالب والمعلم في جهاز التربية والتعليم العربي في البلاد.

من خلال أزمة تغييب الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية، نستهل القول بتعريف الثقافة اصطلاحا: على أنها: “مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية، التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه” (بن نبي، 2000: 74). وأما بالنسبة للهوية القومية، فقد ذكر (حاج يحيى، ودسوقي 2017)، بأن حضور الثقافة العربية بمركباتها داخل المدرسة العربية في الكيان الصهيوني المحتل، تعاني من قصور وهشاشة في تشكيل الهوية القومية الواضحة المعالم، والتي تعيق تعمق جذور الطالب العربي، من خلال معيقات كثيرة، كوزارة التعليم التي تقوم بتهميش الثقافة العربية من خلال غرس مضامين مناهجها في المدرسة العربية، عدا عن الإدارة الداخلية للمدرسة غير الداعمة لعملية تعزيز الثقافة العربية، والتي تقوم باتباع سياسة وزارة التربية والتعليم والالتزام بها، لتتحول على الأغلب إلى “معرضة” في الأيام التراثية لعرض المركبات الفولكلورية للثقافة العربية، أكثر من كونها تفاعلية وجدانية ومشاعرية، بحيث لا تعمل على زيادة الوعي لدى الطالب بثقافته العربية، فالثقافة تشمل: الرموز، العادات، التراث، الفنون، الموسيقى، الشعر، الكتب، الأماكن الأثرية، أسماء القرى والمدن، الشوارع والحارات، الديانات، الثقافة الفلسطينية، الهوية، اللغة، والتاريخ الخاص، إلخ. وأما ما ذكره (حاج يحيى، وأبو عيطة، 2007)، فإن الكيان الصهيوني المحتل يسيطر سيطرة كاملة ومحكمة وبشكل ممنهج على برامج التعليم في المراحل التعليمية المختلفة، فقد وضعت مضامين في منهاج التعليم ما يؤكد على الولاء والإخلاص للدولة، بعيدا عن تعزيز الهوية الوطنية والجماعية وقضايا حقوق الإنسان والمواطن، مما دفع العرب للبحث عن هويتهم الوطنية وذاتهم المحكومة من خلال مصادر تربوية غير رسمية وغير حكومية.

هذا التهميش اللاذع للثقافة العربية لبس ثوب القانون المفروض على العرب والذي يتجاهل الكيان العربي، “إن تجاهل القانون لوجود هذه الأقلية المتجذرة فوق أرضها لم يكن سهوا أو عفويا، وإنما كان مقصودا منه التعبير عن يهودية الدولة وعدم الاعتراف بمواطنيها العرب كجماعة قومية، بل وطمس هويتهم الجماعية” (ميعاري، 2014: 36). لذلك فإن هذا التجاهل يعني انسلاخ الهوية والثقافة العربية من خلال طمس القيم التي من شأنها “أن تحفظ للمجتمع بقاءه واستمراريته، بالإضافة إلى إقرار هويته وتميزه، فهي عبارة عن: المؤشر الاجتماعي، الذاكرة التاريخية، والإرث الثقافي” (سعادة، 2013: 74). لذلك فإنّ التغييب الصريح للهوية والثقافة العربية والقيم، بل انسلاخها من جهاز التعليم العربي، قد انعكس سلبا على استقرار المعلم والطالب في أدائهما، مما أفرز برأيي تخبطات في السلوك تحت وطأة الخوف من القانون، مما يستدعي ذلك كل سبل الفساد والعنف بفقدان الكيان والهوية والموروث الثقافي، والتي من شأنها توريث الفرد مبادئ الولاء والأمن والإخلاص للأمة العربية. لأن جهاز التعليم العربي برأيي يجب أن يكون الوعاء الكامل لكل القيم والثقافة ليكون قادرا على إفراز سلوكيات اجتماعية متماثلة للشفاء من كل عنف وفساد. فغياب دور المعلم في مجال التربية للقيم ينبع، “خوفا من تعاملهم مع قضايا ومواضيع مختلف عليها اجتماعيا، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ومواضيع أيديولوجية ذات علاقة بالدين والديموقراطية، فقلة هم من يملكون الوعي الناضج والفكر الذاتي المستقل في المجال التربوي، ومن يملكون الشجاعة للحديث وفتح الحوار حول هذه القضايا مع طلبتهم” (أبو عصبة، 2012: 69). وهذا كما قال (أمارة، 2010)، بمثابة تهميش الذاكرة الجماعية والهوية الحضارية والإرث الثقافي للعرب في البلاد. كل ذلك كان نتيجة عدم استقلالية جهاز التربية والتعليم العربي الفلسطيني. وكما ذكر (سعادة، 2013)، أن عدم إعطاء المعلم الحرية في اختيار المضامين القيمية التي تتناسب مع المجتمع العربي هو نتيجة علاقة القوة غير العادلة بين الأكثرية اليهودية والأقلية العربية، وهذا يعمل على سلخ هذه المعايير من هوية الطالب وتغريبه عن ماضيه وهويته الجماعية، لذلك فإن جهاز التربية والتعليم الصهيوني مؤدلج ويكرس دونية الموروث الثقافي بما في ذلك الحضارة العربية في الأراضي المحتلة، وهذا قد يساهم في زيادة التمغرب، وتآكل الهوية العربية، أو الانغماس في نوع من الحداثة المستعارة.

فالتشديد المفرط لدى الطالب العربي، على التحصيل الذهني والعلمي، كما وضحه (أبو عصبة، 2012)، يفصل المدرسة عن دائرة التأثير بهويته الذاتية والثقافية، والجماعية، ويؤدي إلى تغييب الجانب القيمي والأخلاقي كهدف مشروع في العملية التربوية.
وملخص القول، فقد ذكر (أبو عصبة، 2006)، أن جهاز التربية والتعليم العربي، يعمل في ظروف غياب المساواة من جهة (من حيث الاستثمار، وعدم المساواة في التعامل والاهتمام). فالموارد المخصصة والمستثمرة في جهاز التعليم العربي ضئيلة قياسا على جهاز التعليم اليهودي.

من هذا المنطلق حسب رأيي، فإن أزمة تغييب الهوية والثقافة العربية في المدرسة العربية، هو نتيجة الصمت النابع من الخوف، والمصالح الذاتية، ابتداءً من المفتشين والإداريين والمدراء وانتهاءً بالمعلم والطالب. هذه الأزمة خلقت للأفراد سلوكيات متعرجة تتجه نحو بؤرة العنف والفساد والضياع. لذلك لن تتغير بنية هذا الجهاز بمضامينه اليهودية، إلا عن طريق التغيير الجذري بقلع السلطة السياسية الإسرائيلية وكسر القيود التي تقيد الأقلية العربية عن طريق هذا الجهاز الحساس، لتحرير المجتمع العربي من براثن هذه السلطة المسمومة، وذلك من خلال دور المدرسة الفعال في إنشاء برامج مكثفة، تحفظ بها ماء وجهها أمام التاريخ. من هذه البرامج: حلقات وصل للموروث الثقافي والتراثي، من خلال عمل حلقات وصل بين الطالب وجدته، يسمى بيوم الجدات، حيث تقوم الجدة بسرد القصص والأغاني التراثية والأشعار والأمثال الفلسطينية، إلخ. ثم يكون حراك من جهة لجنة أولياء الطلاب، بشكل موجه من فئات مثقفة بعقد اجتماعات معها لتدير تفاعلها بشكل قانوني وبتخطيط مدروس يخدم كياننا كأقلية عربية. ثم اقتراح بعمل معارض للتراث الفلسطيني، يشترك بها الطالب بتعليق رسومات إبداعية عن تراثه، أو كتابات شعرية وقصصية، أو بناء أشكال مختلفة من التراث، كبناء مجسمات للبيوت الفلسطينية القديمة، ورسم القرى المهدمة والتي تم تهجير أهلها. فالقضية الفلسطينية اليوم أكبر من أن نتحدث عنها أو نصفها كظاهرة يمكن معالجتها أو شفاءها، فقد تعدت مراحل الجفاف بانطماس معالم الهوية وانغماس الثقافة العربية بوحل الثقافة الصهيونية، ليصبح المدير والمعلم كالدمى أو كحجارة الشطرنج بين أنيابهم الحادة، تحت نفوذ الشاباك أو العملاء، لسرقة التراث وطمس معالم البلاد العربية. لذلك للبيت دور في إحياء الهوية والثقافة العربية، وللمسجد دور في توجيه الفرد في الحفاظ على الموروث الديني، ثم اقتراح لعمل مخيمات صيفية لتعزيز اللغة العربية والتراث والهوية عن طريق اللعب المخطط. ولنبدأ التغيير من الذات الخاصة للذات العامة وهي المجتمع العربي. قال الله تعالى: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (سورة الرعد: 11).

قائمة المراجع
أبو عصبة، خالد (2006). جهاز التربية والتعليم العربي في إسرائيل: البنية، المضامين، التيارات، وأساليب العمل. المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية. رام الله: مؤسسة الأيام، ص 142.
أبو عصبة، خالد (2012). التربية للقيم في مجتمع مأزوم. جت المثلث: مسار، معهد وأبحاث وتخطيط واستشارة اجتماعية، ص 69.
أمارة، محمد (2010). اللغة العربية في إسرائيل: سياقات وتحديات. كفر قرع: دراسات- المركز العربي للحقوق والسياسات، دار الهدى ودار الفكر، ص 249-248.
بن نبي، مالك (2000). مشكلة الثقافة. دمشق: دار الفكر، ص 74.
حاج يحيى، قصي وأبو عيطة، مازن (2007). دراسات وبحوث في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. كفر قرع: دار الهدى، ص 144-128.
حاج يحيى، قصي ودسوقي، نهى (2017). حضور الثقافة العربية في المدرسة العربية في إسرائيل وتحدياتها: دور المعلم والطالب. الحصاد (7)، ص 50-49.
سعادة، نجوان (2013). قراءات ناقدة في موضوع التربية القيمية في المجتمع العربي الفلسطيني. الحصاد (3)، ص 88-74.
ميعاري، محمود (2014). مناهج التعليم العربي في إسرائيل: دراسات نقدية في مناهج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والمدنيات. الناصرة: المجلس التربوي العربي ولجنة متابعة قضايا التعليم العربي، ص 46-36.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق